
الجمعيات التعاونية الزراعية بذمار.. ثورة تنموية لتحقيق الاكتفاء الذاتي
تقود الجمعيات التعاونية الزراعية في مديريات محافظة ذمار ثورة تنموية وزراعية واسعة، بالاعتماد على تنظيم الجهود وتوحيد الطاقات للارتقاء بالقطاع الزراعي، في توجه وطني لتحقيق التنمية الزراعية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي، وصولاً للاكتفاء الذاتي.
وتأتي هذه التحركات التعاونية الزراعية ضمن الاستراتيجية الوطنية التي تهدف إلى التقليل من فاتورة استيراد المحاصيل المختلفة من الخارج، وذلك بتفعيل دور المجتمعات المحلية في الإنتاج .. “صحيفة 26سبتمبر” واكبت النجاحات النوعية للجمعيات التعاونية النموذجية في ذمار وفق الاستطلاع الآتي:
استطلاع: محمد العلوي
< بداية، يؤكد رئيس جمعية جبل الشرق التعاونية الزراعية، فهد المثنى، أن إنشاء الجمعيات التعاونية يعد ركيزة أساسية للعمل على خفض فاتورة الاستيراد، من خلال إنشاء المجاميع الإنتاجية للمحاصيل الزراعية، والتي تمثل إحدى أهم الخطوات الاستراتيجية لتحقيق الإنتاج وفق التوسع الزراعي الرأسي.
وأشار المثنى إلى أن الجمعية تسهم بدور محوري في تعزيز الثقة بالعمل التعاوني من خلال إنشاء وتشكيل المجاميع الإنتاجية؛ لتشكل الزراعة المحلية الضمان الحقيقي الذي يحفظ للمواطن اليمني كرامته وعزته، والتي أولاها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، الاهتمام منذ اليوم الأول للعدوان على اليمن، مؤكداً على أهمية الأمن الغذائي جراء الحصار المفروض على أبناء الشعب اليمني.

الحراثة وتوفير البذور المحسنة
وأوضح المثنى أن الجمعية نجحت في تأسيس 24 مجموعة إنتاجية تضم 536 مزارعاً موزعين على مختلف مناطق مديرية جبل الشرق، وقد اعتمدت معايير دقيقة في تشكيلها وفقاً للميزة التنافسية والخصائص الزراعية التي تنفرد بها كل منطقة، مع التركيز على استقطاب كبار المزارعين ممن يمتلكون القدرة على توفير المدخلات ولديهم مصادر ري مستدامة كالآبار والغيول، بإنشاء 5 كرفانات وتأهيل 4 سدود وحواجز مائية، بالإضافة إلى تنفيذ 352 مبادرة مجتمعية.
وتابع المثنى إن ذلك يأتي “لضمان نجاح هذه المجاميع وتخفيف الأعباء عن كاهل المزارعين وحمايتهم من جشع بعض التجار والمستغلين، قدمت الجمعية حزمة من التسهيلات والمدخلات الزراعية، شملت حراثة 30 هكتاراً من الأراضي الزراعية، وتوفير 20 منظومة طاقة شمسية بسعر التكلفة”.
كما قامت الجمعية بتوزيع بذور محسنة تضمنت 3.5 طن من بذور الفاصوليا الرقشاء، وطناً واحداً من بذور الذرة الشامية، ونصف طن من بذور القمح، إلى جانب توزيع أسمدة ومبيدات زراعية بتكلفة تجاوزت 1.5 مليون ريال، وتقديم خدمات نوعية مساندة كغربلة بذور الحبوب وغيرها من المدخلات بأسعار تنافسية ومناسبة.
محصول استراتيجي
وأكد رئيس جمعية جبل الشرق أن الذرة الشامية تحظى باهتمام خاص، إذ تتركز معظم أنشطة المجاميع الإنتاجية حول هذا المحصول الاستراتيجي، مستفيدة من توفر العديد من الوديان الزراعية الخصبة في المديرية. وتزرع هذه المحاصيل وفقاً لطرق زراعية سليمة، سواء عبر الأساليب التقليدية المتوارثة أو التقنيات الحديثة، مع التركيز التام على سلاسل القيمة لتعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين الإنتاجية وجدة المحصول بأقل التكاليف الممكنة بهدف تحقيق التنمية الزراعية المستدامة، تحت إشراف مباشر من ميسري المجموعات الذين تم اختيارهم بعناية من بين المزارعين أنفسهم.
علامة تجارية لتسويق الفاصوليا
وذكر في سياق حديثه أن الجمعية تولي عملية التسويق أهمية قصوى، من خلال تصريف منتجات المزارعين في الأسواق المحلية داخل المديرية وخارجها، حيث تكللت هذه الجهود بتسويق 70 طناً من محصول الذرة الشامية عبر الجمعية.. كما اتخذت الجمعية خطوة ابتكارية باستغلال توفر خط إنتاج خاص بالبن لتحويله إلى فرصة نوعية لتغليف محصول الفاصوليا المنتجة محلياً، ووضع علامة تجارية خاصة بالمحصول وطرحه في الأسواق باسم الجمعية، بما يعزز من قيمته التنافسية.
وأشار رئيس الجمعية إلى أن الجمعية سجلت زيادة قياسية تمثلت في إنتاج 150 طناً من محصول البن اليمني ذي الجودة العالية، وأكثر من 20 طناً من محصول الذرة الشامية، إلى جانب 20 طناً من محصول الفاصوليا الرقشاء، بالإضافة إلى 350 طناً من محاصيل الخضروات المتنوعة.
إحياء روح التعاون المجتمعي
< من جهته، يؤكد المدير التنفيذي لجمعية ميفعة عنس التعاونية الزراعية، عباس السويدي، أن الجمعيات تمثل الأساس الأول للبناء التنموي، وهي المحرك الرئيس للمشاريع في مختلف المجالات، وخفض فاتورة الاستيراد للعديد من المحاصيل وتحقيق طفرة في الإنتاج المحلي، وذلك بإحياء روح التعاون بين أبناء المجتمع عبر التوعية المستمرة وربط المزارعين بالواقع القرآني وثقافته التي تحث على التكاتف.
وأضاف: “لقد عملنا على تحشيد طاقات المجتمع من خلال فرسان التنمية، لترجمة هذا الوعي إلى مبادرات ميدانية نفذت مشاريع حيوية كان المجتمع بأمس الحاجة لها، كبناء المدارس، ورصف الطرق، وإنشاء السدود والحواجز المائية، وهي مشاريع عجزت الدولة عن تنفيذها طوال الفترات الماضية”.

المدخلات الزراعية
وأوضح السويدي أن الجمعية حرصت على إسناد المبادرات بالدراسات والخبرات الفنية، مع الربط المباشر بين المجتمع والشركاء الممولين، وثمن دور وحدة التدخلات الطارئة في دعم المبادرات بمادتي الديزل والإسمنت، مؤكداً أن الجمعية وضعت ضوابط صارمة ومتابعة دورية لقياس الأثر لضمان ديمومة هذه المشاريع وإعادة تعزيز ثقة المجتمع بالعمل التعاوني باعتباره الكيان الخدمي الأول لهم.
وعلى صعيد الدعم المباشر للمزارعين، أشار السويدي إلى أن الجمعية حققت قفزة نوعية في توفير المدخلات الزراعية، حيث تم توفير أكثر من 25 طناً من بذور البقوليات خلال العام الماضي والأشهر المنصرمة، مقارنة بنحو 2 طن فقط كانت تتوفر سابقاً في المديرية. وبيّن أن الدعم شمل أيضاً توفير بحدود 50 طناً من بذور القمح، وكذلك أكثر من 3 أطنان من الأسمدة والمبيدات، وشبكات ري تغطي مساحة تزيد على 50 هكتاراً، وحراثة أكثر من 300 هكتار في مختلف مناطق المديرية.
مجاميع إنتاجية وفق سلاسل القيمة
وفي خطوة تنظيمية رائدة، أفاد المدير التنفيذي أنه تم إنشاء وتشكيل مجاميع إنتاجية متخصصة حسب الصنف الزراعي، حيث تضم المجموعة الواحدة ما بين 15-30 مزارعاً من نفس المنطقة، يتم اختيار أنشطهم ليكون ميسراً للمجموعة. وتهدف هذه المجاميع إلى تحسين سبل العيش عبر تقليل تكاليف الإنتاج، إذ تستخدم الإمكانيات المتاحة، وكذلك احتياجات المجموعة كورقة تفاوضية مع تجار المدخلات للحصول على أسعار الجملة وضمان الجودة.
كما تسهم في تحقيق التكافل، حيث يقوم المقتدرون بدفع قيمة المدخلات وتأجيل مبالغ الأعضاء المستضعفين حتى موسم الحصاد، فضلاً عن دورها في تبادل الخبرات وحلحلة المشاكل الحقلية بما يسهم في مضاعفة الإنتاج، وفق الخطط والرؤية الاستراتيجية التي تركز بشكل كلي على سلاسل القيمة، والتي إذا حدث خلل أو إهمال لأي حلقة منها قد يؤدي لضياع المحصول، ويبرز التسويق في نهاية المطاف كأحد وسائل النجاح في إيجاد القيمة السعرية وحماية المزارع من الخسائر الفادحة.
وأشار إلى أنه حتى الآن تم تشكيل 34 مجموعة إنتاجية تضم 800 مزارع، اعتمدت منها 24 مجموعة لعدد 430 مزارعاً كمجاميع منتظمة في مختلف مناطق المديرية، تركز أساساً على البقوليات لقدرتها على خفض فاتورة الاستيراد، بالإضافة إلى مجاميع الخوخ والمشمش، لكون المنطقة هي الأكبر إنتاجاً لهذه المحاصيل على مستوى الجمهورية.
طموح يبحث عن تمويل
وذكر أن جهود الجمعية أثمرت نتائج ملموسة عبر توفير المدخلات الزراعية، حيث ارتفعت إنتاجية شجرة الخوخ الواحدة من 80 كجم إلى 140 كجم، مع توسع كبير في زراعة القمح، وإعادة إحياء زراعة الفاصوليا التي كانت شبه منعدمة، حيث تم زراعة أكثر من 20 طناً منها، ولا تزال الجمعية في الوقت الراهن في مرحلة الإنتاج.
وكشف السويدي عن توجه الجمعية لتبني مشاريع التصنيع الزراعي، حيث تم إعداد دراسة لإنشاء مصنع لتعليب محصول الخوخ والبقوليات، مؤكداً أن البحث لا يزال جارياً عن مستثمر أو جهة متبنية للمشروع نظراً لتكاليفه العالية التي تفوق قدرة الجمعية الحالية.
خفض فاتورة الاستيراد
< وفي سياق الجهود المبذولة لتعزيز الأمن الغذائي، أشار رئيس جمعية اكتفاء الزراعية في مديرية ضوران، محمد الأحصمي، إلى حزمة من الأنشطة والمشاريع الزراعية التي تهدف في جوهرها إلى التوسع الأفقي والرأسي في زراعة المحاصيل المختلفة، حيث تبذل الجمعية جهوداً حثيثة لزيادة الإنتاج المحلي خاصة للأصناف التي يتم استيرادها من الخارج، وذلك عبر العمل الدؤوب وفق الموجهات والخطط التنموية المرسومة التي تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وأفاد الأحصمي بأن الجمعية اضطلعت بدور محوري في توفير المدخلات الزراعية للمزارعين عبر آلية منظمة ومرتبة، تبدأ بالنزول الميداني المباشر إلى العزل والقرى المستهدفة لتحديد الاحتياجات، وتوفير كافة المدخلات التي تغطي حاجات المزارعين الفعلية، وفي تحسين جودة الإنتاج عملت الجمعية على توفير كميات كبيرة من البذور المحسنة لضمان مخرجات زراعية ذات كفاءة عالية.

توزيع البذور المتنوعة
وبين الأحصمي أن الجمعية وزعت نحو 24 طناً من البذور المتنوعة، شملت 5 أطنان من القمح المحسن، وطنين من الذرة الشامية، وطناً واحداً من محصول العتر، بالإضافة إلى 6 أطنان من الفاصوليا، و10 أطنان من بذور البطاطس. وقد تمت عملية التوزيع من خلال المجموعات الإنتاجية المنتشرة في مختلف مناطق المديرية، مع تقديم القروض البيضاء للمزارعين بهدف تحسين سبل العيش للمجتمع الإنتاجي، بما يضمن زيادة الإنتاج وبأقل التكاليف مع التوجه الجاد للتقليل من استخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية لما لها من أضرار جسيمة على التربة والصحة العامة.
الإنتاج وفق سلاسل القيمة
وأوضح أنه تم إنشاء وتحزيم 32 مجموعة إنتاجية تضم في قوامها 680 مزارعا، تركز جميعها على سلاسل القيمة كقاعدة انطلاق أساسية، مشيراً إلى أن ثقل هذه المجموعات يتركز في قطاع الحبوب، لا سيما الذرة الشامية في منطقة “قاع الحقل” التي تتميز بزراعة هذا الصنف وبجودة عالية، وكذلك القمح في بقية عزل المديرية، بينما تتوزع بقية المجموعات وفقاً لسلاسل القيمة المعتمدة التي تلبي خصوصية كل منطقة، وصولاً للهدف الاستراتيجي في تحقيق الاكتفاء الذاتي.
ولم تغفل الجمعية جانب التأهيل والتدريب، حيث تطرق الأحصمي إلى أنه يتم تنفيذ جلسات توعوية وتدريبية وإرشادية مكثفة لميسري المجموعات الإنتاجية لضمان الالتزام الصارم بالعمليات الزراعية السليمة والوقاية من المخاطر، كما تحرص الجمعية على المتابعة المستمرة وربط المزارعين بمهندسين زراعيين متخصصين لتزويدهم بالمهارات اللازمة التي تجعل من مجموعاتهم نماذج رائدة في كافة المجالات الزراعية.
تسويق المحاصيل الزراعية
وفيما يتعلق بملف التسويق، ذكر الأحصمي أن المنتجات التي يتم إنتاجها بكميات كبيرة تتم عبر برنامج الزراعة التعاقدية وفق عقود مبرمة بين المزارعين والجمعية مع الجهات العليا لضمان تصريفها، أما المحاصيل ذات الإنتاج المحدود فيتم تسويقها عبر تجار المديرية بالتنسيق مع مكتب الاقتصاد والاستثمار، وبما يضمن سعراً عادلاً يحقق الفائدة للمزارع والمستهلك على حد سواء.
واختتم رئيس جمعية اكتفاء بضوران حديثه بالإشارة إلى أن الجمعية تتجه حاليا لربط هذه المجموعات بوحدات تصنيع المنتجات الزراعية وتزويدها بالمعدات البسيطة المبتكرة محلياً؛ وذلك لتسهيل العمليات الإنتاجية وتطوير القيمة المضافة للمحاصيل.
إشراف ومتابعة مباشرة
< بدوره، يؤكد رئيس فرع الاتحاد التعاوني الزراعي بذمار، عبد الوهاب محمد علاية، أن النجاح الذي تشهده الجمعيات اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة إشراف مباشر ومتابعة حثيثة ونزول ميداني مستمر.

وأوضح علاية أن الاتحاد انتهج آلية صارمة لتقييم الأداء ربع السنوي، لا تقتصر فقط على فحص سلامة السجلات المالية والإدارية، بل تمتد لتفعيل الرقابة المجتمعية ودور الجمعيات لضمان أن تظل هذه الكيانات ملكاً للمزارع ومعبرة عن تطلعاته، وهو ما يضع الجمعيات على طريق المؤسسية الحقيقية.
وأشار رئيس فرع الاتحاد إلى نجاح تجربة إنشاء نحو 80 مجموعة إنتاجية ضمن سلاسل القيمة “بقوليات، حبوب، فواكه، ألبان، وثروة حيوانية”، والتي احتضنت 1646 مزارعاً في الجمعيات النموذجية، مبيناً أن الحراك الميداني لم يحقق توسعاً أفقياً في المساحات المزروعة فحسب، بل أحدث طفرة في التوسع الرأسي عبر زيادة إنتاجية الوحدة الواحدة، مع التركيز الكامل على خفض تكاليف المدخلات وتقديم الدعم الفني العاجل وخطط الإنقاذ لإعادة أي جمعية متعثرة إلى مسارها الإنتاجي الصحيح.
وشدد علاية على أهمية بناء سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من توفير البذور وتنتهي بالتسويق الجماعي والتصنيع، وهو ما يمنح الجمعيات النموذجية أولوية في التمويل والربط بالأسواق المركزية عبر الزراعة التعاقدية.
وأكد على أهمية التشبيك المؤسسي الذي يقوده الاتحاد مع السلطة المحلية ومؤسستي بنيان والخدمات الزراعية، لتوحيد الجهود وتوجيه الموارد لخدمة المزارع مباشرة، بدلاً من تشتيتها في مشاريع منعزلة، لتتحول الجمعيات إلى رافعة حقيقية للأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.
نقلاً عن صحيفة 26 سبتمبر
