
في تحول نوعي يعكس مساعي تعظيم الموارد المحلية واستثمارها، شهد موسم عيد الأضحى المبارك لعام 1447هـ نجاحاً لافتاً لمبادرة تجميع “جلود الأضاحي” في اليمن، حيث نجحت الجهود المجتمعية والرسمية في انتشال ما كان يُنظر إليه كـ”مخلفات بيئية” وتحويله إلى مورد اقتصادي استراتيجي، في خطوة تهدف إلى تعزيز سلاسل القيمة لقطاع الثروة الحيوانية ودعم الصناعات الجلدية الوطنية.
وتمكنت المبادرة -التي جاءت ثمرة تنسيق وثيق بين السلطات المحلية والمكاتب التنفيذية والجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض- من تجميع نحو 10 آلاف جلد أضحية، بوزن إجمالي وصل إلى قرابة 30 طناً، وهو ما يمثل طفرة في الوعي المجتمعي والعمل المؤسسي الجماعي.
انطلقت المبادرة من رؤية تنموية طموحة تستهدف كسر ثقافة الهدر الممنهج لموارد محلية هامة، ولم تقف عند حدود الجمع التقليدي، بل أسست لمنهجية علمية وفنية صارمة، إذ تضمنت عمليات التجميع والتمليح وفق أصول فنية تضمن جودة الجلود كمواد خام أولية للصناعات الجلدية المحلية، فضلاً عن الأثر البيئي الإيجابي المتمثل في حماية الأحياء والشوارع من التلوث الناجم عن التخلص العشوائي من جلود الأضاحي.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الخطوة تضع اليمن على مسار صحيح لتعزيز الاقتصاد المحلي، من خلال تحويل مخرجات القطاع الحيواني إلى مدخلات صناعية، بما يخفض من فاتورة الاستيراد ويدعم الحرفيين المحليين.
وبرزت محافظة حجة كنموذج استثنائي في هذا الملف، حيث تصدرت مديرياتها المراكز الأولى في معدلات الجمع، بفضل تكامل الأدوار بين قيادة السلطة المحلية والمكاتب التنفيذية واللجان المجتمعية.
هذا التناغم المؤسسي لم يكتفِ بتحقيق أرقام قياسية في الجمع فحسب، بل قدم دروساً عملية في كيفية إدارة المبادرات الجماعية وتحويلها إلى مشاريع ذات جدوى اقتصادية واضحة.
وفي هذا السياق، أكد ضابط سلاسل القيمة للحوم والجلود والأصواف المهندس نسيم المهدي، أن المبادرة لا تعد نشاطاً موسمياً عابراً، بل هي تجربة رائدة في سياق استثمار الموارد الوطنية.
وقال المهدي: “لقد وضعنا اللبنات الأولى لبناء قاعدة بيانات حقيقية وتجارب عملية ستكون المرجعية الأساسية للمواسم القادمة، الفرق الميدانية تعكف حالياً على تحليل الدروس المستفادة من التحديات التي واجهتنا، وذلك لضمان توسيع نطاق المبادرة وتعظيم أثرها الاقتصادي والتنموي في المدى البعيد”.
وتعتبر هذه المبادرة نموذجاً حياً لمفهوم الشراكة الفاعلة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع. فمن خلال تحويل المورد المحلي إلى قيمة مضافة، أثبتت التجربة أن التنمية المستدامة لا تتطلب بالضرورة تمويلات ضخمة، بل تحتاج إلى تكامل الوعي المجتمعي مع الدعم المؤسسي المنظم.
ويرى خبراء التنمية أن نجاح مبادرة جلود الأضاحي يفتح أفقاً واعداً لتعزيز التنمية المستدامة في قطاع الثروة الحيوانية، وخلق فرص عمل جديدة للشباب والحرفيين، والحفاظ على الموارد الوطنية، مؤكدين أن تعميم هذه التجربة على مختلف المحافظات سيسهم بلا شك في تعزيز الاستقلال الاقتصادي ودعم الاكتفاء الذاتي في واحد من أهم القطاعات الحيوية في البلاد.
