
بقلم: المهندس محمد يحيى القدمي
لم يعد الرهان على نهضة القطاع الزراعي محصوراً في مضاعفة أرقام الإنتاج فوق رقعة الأرض، بل أضحى يتطلب بالضرورة إرادة معمارية تُشيد جسراً تنموياً يرتبط فيه المزارع بقلب السوق، وتتكامل فيه سلاسل القيمة من الحقل حتى منافذ البيع.
إنها معركة تنظيم وإدارة تسعى للحد من الهدر، وتضمن وصول ثمرة جهد المزارع إلى المستهلك بجودة عالية وسعر عادل.
وفي محافظة حجة، تتضافر الجهود التنموية الجادة لتأسيس سوق محوري للمنتجات الزراعية، بمبادرة تتجاوز النظرة التقليدية للتسويق، لتضع اللبنات الأولى لمنظومة حديثة تعزز دور الجمعيات التعاونية الزراعية، وتربط جهود المزارعين والتجار ومختلف الفاعلين في سلاسل الإنتاج ضمن نسق مؤسسي شفاف، محوكم، ومحرك بالبيانات الرقمية.
رؤية تتجاوز البيع والشراء
تنبثق الرؤية الحاكمة لمشروع السوق المحوري من رفض اختزال السوق في كونه مجرد ساحة لتجميع البضائع ومبادلتها، لتستبدل به نموذجاً شمولياً يبدأ من قلب القرية والحقل، مروراً بالمجموعات الإنتاجية والإسناد الفني والتعاوني، وصولاً إلى عمليات التجميع والتوزيع النهائيات.
وتتجسد القيمة الإستراتيجية لهذه الرؤية في قدرتها على كبح عشوائية العرض والطلب، وترشيد تدفق المعلومات بين أطراف العملية، وتقليص التشوهات الهيكلية التي أرهقت كاهل المزارع لسنوات.
كما تمنح هذه الخطوة المزارعين قدرة غير مسبوقة على النفاذ إلى الأسواق بمنتجات مفروزة ومصنفة بحسب الجودة ومواعيد الحصاد، وهو ما ينعكس مباشرة في رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل نسب التلف.
المجموعات الإنتاجية.. نقطة البداية
إن رهان النجاح في هذا المشروع معقود بما يزرع ويُنظم في القرية قبل أن ينعكس على منصات البيع، ومن هنا يبرز تشكيل “المجموعات الإنتاجية” كحجر زاويـة في بناء المنظومة.
ويتجه العمل اليوم نحو تأطير المزارعين في كتل إنتاجية مرنة تضم كل منها بين 20 و30 مزارعاً، بما يتيح توحيد الجهود الميدانية، وتبادل الخبرات، وتجميع طلبات المدخلات الزراعية، لتتحول العملية الإنتاجية من حالة الاجتهاد الفردي إلى التخطيط الموجه باحتياجات السوق الفعلية.
وفي هذا الصدد، تضطلع الجمعيات التعاونية الزراعية بالشراكة مع السلطة المحلية والجهات المعنية بمسؤولية نزول ميداني مكثف إلى القرى والعُزَل، للتواصل المباشر مع المزارعين واختيار “الميسرين” لكل مجموعة.
ولا يُراد للميسر هنا أن يكون مجرد مسمى في كشوفات إدارية، بل يُشترط فيه أن يكون مزارعاً ذائع الصيت بالخبرة والكفاءة، متمتعاً بالأمانة وثقة مجتمعه، ليكون شرياناً حياً لنقل الإرشادات والتوجيهات الفنية، ومتابعة احتياجات المجموعة، وترسيخ الالتزام بالخطط الإنتاجية والتسويقية.
الجمعيات التعاونية.. من الأطر النظرية إلى الفاعلية الخدمية
تظل الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض هي مظلة الأمان والمحرك المؤسسي الجامع لحماية مصالح المزارعين.
غير أن تحويل هذه الكيانات إلى قوة فاعلة يتطلب تنشيط الوحدات الإنتاجية والفنية داخلها، لتكون قادرة على ديمومة التواصل مع المجموعات الإنتاجية وميسريها، ورصد الاحتياجات، وتقديم الدعم الإرشادي، وتنسيق الجدول الزمني للحصاد والتوريد.
كما تلعب الجمعيات دوراً حاسماً في تجميع المنتجات، والارتقاء بمعايير الجودة، وإتاحة بيانات الأسعار واتجاهات السوق بكل شفافية، مما يمنح المزارع قدرة أعلى على اتخاذ قرارات إنتاجية مبنية على حقائق المعرفة لا على التخمين.
إن نجاح الجمعيات في الاضطلاع بهامها يظل رهيناً بإدارات تعاونية واعية، وقواعد بيانات دقيقة، وآليات حوكمة ومساءلة صارمة، وشراكة قائمة على الثقة بين الجمعية والمزارع والجهات المعنية.
أتمتة البيانات.. بوابـة التحول نحو التخطيط الرقمي
في عصر التحولات التقنية، لم يعد الاعتماد على التقديرات العشوائية أو البيانات المتفرقة مقبولة لإدارة قطاع حيوي كالزراعة، إذ أصبحت أتمتة البيانات وبناء قاعدة معلومات مترابطة شرطاً أساسياً للنجاح.
ومن هذا المنطلق، تتجلى أهمية أتمتة العملية برمتها بالتعاون مع شركة “سهول اليمن القابضة” في الشق التقني والربط الأوتوماتيكي، لبناء نظام رقمي موحد يحصر بيانات المزارعين، والمجموعات، والجمعيات، ونوعية المحاصيل، والكميات المتوقعة، ومواعيد التوريد، إلى جانب قائمة التجار والمتعاملين في شبكة التسويق.
ومتى ما اكتملت هذه المنظومة ونُفذت باحترافية، ستسهم في تحسين تدفق المعلومات بين الجميع، وتحديد الاحتياجات بدقة، والقضاء على العشوائية والازدواجية، وتوفير مؤشرات لحظية تعين متخذي القرار على رسم السياسات التنموية السديدة، والانتقال بالمؤسسات الزراعية إلى عصر الإدارة بالمعلومة والشفافية التامة.
حماية المزارع والمستهلك مسؤولية مشتركة
تتكالب على العملية التسويقية الزراعية تحديات جمة، يتقدمها ارتفاع نسبة الفاقد ما بعد الحصاد، وضعف بنية التخزين والنقل والتعبئة، وتفاوت مستويات الجودة، فضلاً عن القلق المشروع من الاستخدام غير الرشيد للمبيدات والأسمدة.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن نسبة الهدر والتلف في بعض حلقات التداول قد تصل إلى نحو 40% في بعض الحالات والمحاصيل، وهي نسبة تستدعي التحقق بدراسات ميدانية دقيقة تختلف باختلاف المحصول والمنطقة.
إن علاج هذه الاختلالات يقتضي اتخاذ إجراءات عملية حاسمة، تبدأ من تطوير أساليب الحصاد، وتمر بتكثيف الإرشاد الزراعي والرقابة الصارمة على الكيميائيات، وصولاً إلى تطبيق الاشتراطات الصحية المعيارية في كافة مراحل سلاسل الغذاء.
فحماية المزارع مكملة لحماية المستهلك، فبينما يطمح المزارع إلى بيئة تسويقية عادلة تكفل له مقابل جهده، يحق للمستهلك الحصول على غذاء آمن وبسعر متوازن. ولا سبيل للوصول إلى هذه المعادلة إلا بتكامل جهود القطاعات الزراعية والصحية والرقابية، والسلطات المحلية، والجمعيات، والقطاع الخاص.
شراكة إستراتيجية تصنع الفارق
إن إرساء مشروع السوق المحوري في محافظة حجة ليس مهمة فردية، بل هو ثمرة تكامل بين الاتحاد التعاوني الزراعي، والجمعيات التعاونية، والسلطة المحلية، والجهات الزراعية والفنية، وشركاء التنمية.
ويتطلب الموقف الانتقال السريع من مربع الأفكار إلى مضمار التنفيذ الميداني وفق خطة عمل واضحة، تستكمل تشكيل المجموعات وتعيين الميسرين، وتفعل الوحدات الفنية بالجمعيات، وتستكمل بناء السجل الرقمي، وتحدد المسئوليات بآليات متابعة وتقييم دقيقة.
والأهم من ذلك كله أن يظل المزارع شريكاً أصيلاً وصانعاً للقرار في كل مراحل المشروع، لا مجرد مستفيد سلبي، فنواة النجاح صلبها مشاركته الفاعلة، وثقته بالجمعيات، والتزام الكافة بالشفافية والخدمة الملموسة التي تخفض تكلفة الإنتاج وترفع قيمته التسويقية.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في إقامة بناية للسوق، بل في هندسة منظومة حية قادرة على الاستدامة والتطور، تعيد للمزارع حقه في إدارة إنتاجه وتسويقه، وتفتح آفاقاً تنموية واسعة أمام اقتصاد المحافظة.
شكر وتقدير
وفي هذا السياق، نتوجه بخالص الشكر والتقدير للأخ نائب وزير الزراعة والثروة السمكية إبراهيم المداني، صاحب فكرة مشروع السوق المحوري، تقديراً لهذه الرؤية التنموية الرائدة التي تسعى لتنظيم الإنتاج الزراعي، وتطوير التسويق، وربط المزارع بالأسواق عبر مظلة التعاونيات والمجموعات الإنتاجية وأتمتة البيانات.
إن سر تميز هذه الفكرة يكمن في نظرتها الشمولية، إذ لم تتعاطَ مع السوق مجرد مكاناً للبيع والشراء، بل انطلقت من المزارع ومجموعته في القرية، مروراً بالجمعية والإسناد الفني، وصولاً إلى التسويق المنظم وربط حلقات سلسلة القيمة كافة.
ونأمل أن تتظافر جهود الجمعيات، والسلطة المحلية، والجهات الرسمية والشركاء، لتجسيد هذه الرؤية واقعاً حياً يخدم المزارعين، ويرتقي بكفاءة التسويق، ويضع محافظة حجة على طريق التنمية الزراعية المستدامة.كما نثمن جهود كل السواعد المخلصة التي تعمل بنزاهة للنهوض بالقطاع الزراعي، وتمكين المزارعين، وتحويل الأفكار الواعدة إلى مشروعات تنموية تعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد الوطني.
رئيس فرع الاتحاد التعاوني الزراعي بمحافظة حجة
