
الجمعيات التعاونية ثورة زراعية نحو الاكتفاء الذاتي
كتب : محمد العلوي
لم يعد العمل الزراعي الفردي والعشوائي في الوقت الراهن خيارا مجديا لمواجهة التحديات، أو خوض المعركة الاقتصادية لتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، إذ تبرز الجمعيات التعاونية الزراعية اليوم كحجر الزاوية في بناء اقتصاد مقاوم ومستدام، بل وكخيار استراتيجي تراهن عليه الدولة والمجتمع للخروج من نفق الاستيراد إلى رحابة الإنتاج.
وفي هذا الإطار، نجد أن التحول نحو العمل المؤسسي ليس مجرد شعارات، بل واقع تترجمه الأرقام على الأرض برعاية وإشراف الاتحاد التعاوني الزراعي، وذلك بتأسيس أكثر من 162 جمعية تعاونية زراعية متعددة الأغراض، تنتشر في مختلف المحافظات اليمنية، برزت منها 65 جمعية نموذجية، أثبتت أن الإرادة الوطنية قادرة على صناعة المعجزات إذا ما اقترنت بالتنظيم والتخطيط السليم.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يقوم على العاطفة، بل على منهجية العمل التعاوني والمجتمعي، للوصول إلى النجاح المنشود في الانتقال من العشوائية إلى التنظيم المؤسسي للجمعيات، التي برزت حاليا ليس مجرد تجمعات للمزارعين، بقدر ما يمثل كيانات تعاونية تدار بعقلية إدارية حديثة، من خلال وحدات إنتاجية تضمن توحيد الجهود وزيادة الإنتاج بالإمكانات المتاحة، مما يخلق بيئة تنافسية تعيد للمنتج المحلي اعتباره في السوق المحلي.
لقد بدأت ثمار هذا التوجه تظهر جليا في الجمعيات التعاونية الزراعية في تهامة الخير والعطاء وتجلت في مسارات استراتيجية أهمها توطين الألبان، حيث نجحت الجمعيات في إنتاج أكثر من 162 ألف لتر من الحليب يوميا وتحويلها للمصانع الوطنية، مما قلل الاعتماد على الحليب المجفف المستورد، وذلك بفضل التوسع في تربية الأبقار الحلوب بين أبناء المجتمع كمصدر دخل معيشي لهم من جهة أخرى.
كما برزت الزراعة التعاقدية كطوق نجاة للمزارع والمستهلك على حد سواء، حيث ضمن هذا النظام تسويق المحاصيل بأسعار عادلة، ووفر للمصانع والأسواق منتجات محلية عالية الجودة، مما أدى بشكل مباشر إلى خفض جزء من فاتورة الاستيراد المرهقة للميزانية العامة.
وفي المقابل، لم يعد المنتج المحلي مجرد بديل للمستورد، بل صار منافسا قويا بفضل معايير الجودة التي تفرضها منتجات الجمعيات النموذجية، إدراكا منها بأن التحدي لا يكمن فقط في زراعة مساحات واسعة، بل في التوسع الرأسي بزيادة إنتاجية الوحدة المساحية بأقل التكاليف، التي تدار الجهود وفق منظومة قائمة على الوحدات الإنتاجية التي تعد الدينامو المحرك للعملية برمتها.
تشكل هذه الوحدات نقطة الانطلاق في المديريات والعزل لتنفيذ المشاريع الزراعية والحيوانية، كونها تدير عملية متكاملة وفق سلسلة القيمة التي تبدأ من توفير البذور والحراثة والأسمدة، مرورا بالإرشاد الزراعي، وصولا إلى التسويق، مما أغلق الباب أمام الوسطاء والمحتكرين وضمن الربح للمزارع.
ورغم ذلك، فإن استدامة هذا النجاح مرهونة بعاملين أساسيين، الوعي التنموي الاقتصادي لدى المجتمع بأهمية التعاون، والتنظيم الإداري السليم لمنهجية العمل في المديريات.
لذلك، الجمعيات التعاونية هي المستقبل، وهي السفينة التي ستبحر بالاقتصاد الوطني نحو شاطئ الأمان، شريطة أن نواصل دعمها وتطويرها وحمايتها، لتكون بحق درع الوطن الغذائي الذي يراهن عليه الحاضر لبناء المستقبل المنشود.
