
البن اليمني.. إرث حضاري ومعركة السيادة الاقتصادية
بقلم/ المهندس محمد القدمي:
لم يكن البن في اليمن يوماً مجرد محصول زراعي عابر، بل هو مُكوّن أصيل في وجدان الهوية والتاريخ، وخيط رفيع يربط المدرجات الجبلية المعلقة بالسماء في حجة، وصنعاء، وبني مطر، وحراز، بذاكرة التبادل الحضاري الإنساني.
إنه “الذهب البني” الذي سافر عبر ميناء “المخا” التاريخي (Mocha) ليعيد تشكيل مزاج العالم في القرن السابع عشر، حاملاً توقيع الجودة اليمانية الفريدة التي لا تُخطئها حاسة تذوق.
اليوم، يعود هذا المحصول الاستراتيجي إلى واجهة الأحداث، ليس فقط بوصفه رافعة اقتصادية يعول عليها اليمنيون لكسر طوق الأزمات المركبة، بل كساحة لمعركة حماية الوجود والسيادة الاقتصادية.
فخلال السنوات الأخيرة، وبفعل تضافر جهود مجتمعية ورسمية واعية، شهدت زراعة البن توسعاً أفقياً وعمودياً ملحوظاً، وعاد الفلاح اليمني ليعانق شجرته العتيقة، مدفوعاً بأسعار مشجعة واستثمارات واعدة تبشر بمسار حقيقي نحو التنمية المستدامة والاعتماد على الذات.
ولكن، وكما هي عادات الأسواق الغارقة في الفوضى، يواجه هذا الحلم التنموي تحديات حقيقية ومقلقة تتهدد صموده، إذ يشكو مزارعو البن اليوم من تدفق منسق ومشبوه للبن المستورد إلى الأسواق المحلية، وبطرق ملتوية تؤثر مباشرة على مكانة وقيمة المحصول الوطني.
هذا “الغزو السلعي” لا يضرب الأسعار المحلية في مقتل فحسب، بل يهدد بقطع أرزاق آلاف الأسر الريفية التي بذلت عرقها في بطون الأودية وعلى حواف المدرجات، ويعيق جهود التوسع الزراعي التي يُراد لها أن تكون ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني التنموي.
في هذا السياق، وفي قراءة لواقع المسؤولية الملقاة على عاتق الكيانات الزراعية، ترتفع الأصوات من داخل الحقل التعاوني، إلى حماية هذا المنتج السيادي الذي يتطلب موقفاً حازماً لا يقبل المواربة.
وهنا يجب أن نتوجه بدعوة صريحة ومباشرة للجهات الرسمية، والرقابية، والسلطات المحلية، والجهات المعنية بقطاعي التجارة والزراعة، للقيام بدورها الفاعل في ضبط المنافذ، وتشديد الرقابة الصارمة على الأسواق، واتخاذ إجراءات حازمة تمنح الأولوية المطلقة للمنتج الوطني، وتمنع أي ممارسات احتكارية أو إغراقية تضر بالإنتاج اليمني وتغتصب حقوق المزارعين.
إن المسألة تتجاوز البُعد الإجرائي الحكومي، فالدعوة موجهة اليوم، وبذات القدر من الإلحاح، إلى رأس المال اليمني، وإلى التجار والمستهلكين على حد سواء، إن تفضيل البن اليمني ودعمه ليس ترفاً، بل هو سلوك استهلاكي واعي وواجب قيمي وأخلاقي.
فكل فنجان بن يمني يُستهلك، هو بمثابة ضخ دماء جديدة في عروق الاقتصاد المحلي، وتوفير لفرص العمل للشباب، وتحسين مباشر لمستوى معيشة الأسر الريفية المنتجة التي تشكل العمود الفقري للمجتمع اليمني.
أخيراً، يجب أن تترسخ حقيقة مفادها: أن حماية شجرة البن ليست مهمة المزارع الذي يكابد مشاق الرعاية والحصاد وحيداً في مدرجاته المعلقة، بل هي مسؤولية وطنية، دينية، وتاريخية مشتركة تقع على عاتق الجميع بلا استثناء—دولةً، ومؤسسات، ومجتمعاً، وتجاراً.
إنها معركة الحفاظ على إرث حضاري نفاخر به العالم، والوقوف صفاً واحداً لحماية المزارع والمنتج اليمني هو التعبير الحقيقي عن الانتماء لهذه الأرض المعطاءة، والخطوة الأولى والأهم نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي والكرامة الاقتصادية.
رئيس فرع الإتحاد التعاوني الزراعي بمحافظة حجة
