حين يستعيد العمل التعاوني روحه في معركة السيادة الغذائية

بقلم: صالح مقيه

في الذكرى العالمية للتعاونيات، لا تبدو هذه المناسبة في اليمن مجرد احتفاء بروتوكولي أو استعراض لإحصائيات، بل هي تجلٍ لمسارٍ كفاحيٍ استعاد فيه الإنسان اليمني ثقته بالأرض، وتحرر فيه المزارع من قيود التبعية التي كبلته عقوداً طويلة.

لقد كانت ثورة 21 سبتمبر في جوهرها ثورة استعادة للذات، حيث لم تكتفِ بتغيير موازين السياسة، بل اخترقت جدار الهيمنة الذي أراد لليمن أن يظل رهينةً لـ سلّة الاستيراد ومخططات البنك الدولي التي استهدفت تدمير مكتسباتنا الزراعية وتجويع الريف.

اليوم، يقف المزارع اليمني في قلب المعادلة، ليس كعاملٍ مأجور، بل كشريكٍ في نهضةٍ زراعيةٍ تقوم على المنهجية القرآنية التي تجعل من التكافل الاجتماعي والعمل التعاوني ركيزةً لبناء القوة الوطنية.

إنها قصة 184 جمعية تعاونية زراعية متعددة الأغراض، تتوزع في 180 مديرية كخلايا نحلٍ تنبض بالحياة، تلملم شتات الموارد وتوحد الجهود.

إن جوهر هذا التحول يكمن في بناء الإنسان قبل بناء الهياكل. فعندما نتحدث عن أكثر من 30 ألف فارس تنمية يجوبون العزل والقرى، فنحن أمام مشروع إحياء للوعي الجماعي. هؤلاء الفرسان ليسوا مجرد مدربين، بل هم جسورٌ تربط طموح الدولة بآمال المجتمع.

ومن خلال هذا التشبيك، تبرز الجمعيات كحاضنةٍ ذكية، توفر للمزارع القروض البيضاء التي تمنحه كرامة الإنتاج، وتؤسس لبنوك بذورٍ محلية تجعلنا سادة قرارنا في الحقل، وتشكيل مجاميع إنتاجية من المزارعين، بدلاً من الارتهان لما يأتينا عبر الحدود.

لقد أثبتت التجربة التعاونية اليمنية أن الزراعة ليست مجرد بذور تُبذر في التربة، بل هي منظومة قيمٍ تبدأ بالزراعة التعاقدية لضمان تسويق المنتج، وتمتد لتشمل الإرشاد، والفرز، والتغليف، وخلق سلاسل قيمة تتكامل فيها المحافظات في سوق وطني واحد.

اليوم، وبحلول اليوم العالمي للتعاونيات، نستطيع القول بملء الفم: إن اليمن قد تجاوز مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي. لقد تحول المزارع الذي كان ضحية لسياسات التهميش إلى ركنٍ أساسيٍ في الاقتصاد المقاوم.

إنها رحلة تحويل التحديات إلى فرص، وهي معركة سيادة غذائية لا تقبل التجزئة، حيث يثبت اليمنيون أنهم حين يقررون التعاون، فإنهم لا يزرعون القمح فحسب، بل يزرعون الكرامة في أرضٍ طالما أُغريت بالتبعية، فاستعصت عليهم بالعمل التعاوني.

ختاماً اتوجه للتعاونيات بالشكر والتقدير واتمنى لهم التطوير والبناء والمواكبة للعمل التعاوني وسرعة الوصول الى الاكتفاء الذات.

مدير عام التعاونيات والاتحادات بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل

حين يستعيد العمل التعاوني روحه في معركة السيادة الغذائية