كيف أعادت ثورة 21 من سبتمبر رسم خارطة العمل التعاوني وضبطت بوصلة الاقتصاد في اليمن؟

بقلم: المهندس علي مرداس

تتجاوز ذكرى 21 من سبتمبر كونها مجرد محطة سياسية أو تحول في موازين القوى، لتبرز كنقطة تحول فارقة في الفلسفة التنموية والإستراتيجية الاقتصادية في اليمن، إذ تمكنت خلال الأعوام الماضية من تحويل العمل التعاوني والقطاع الزراعي من هامش الرعاية الشكلي والمحدود إلى مركز القرار التنموي وركيزة أساسية لخوض معركة السيادة الغذائية، والاعتماد على الذات في مواجهة أعتى ظروف الحصار والأزمات الاقتصادية.

شكلت إعادة بناء القطاع التعاوني الخطوة الأولى في مسار هذا التحول الإستراتيجي، حيث انتقلت الفكرة التعاونية من مجرد مكاتب إدارية خاملة إلى حركة مجتمعية شاملة.

وتُرجم هذا المسار على الأرض عبر تأسيس وإشهار 198 جمعية تعاونية زراعية متعددة الأغراض توزعت على امتداد المحافظات، إلى جانب الإعداد المتواصل لتشكيل 18 لجنة تحضيرية جديدة خلال العام الجاري لتغطية كافة المديريات والعزل.

ولتعزيز هذا البناء المؤسسي وضمان الربط المباشر بين القاعدة المجتمعية والقيادة التعاونية، تم إنشاء 15 فرعاً للاتحاد التعاوني الزراعي في المحافظات، لتشكل مظلة تنموية وتنسيقية تدير وتوجه النشاط التعاوني في الميدان.

ولم تقتصر هذه الهيكلة على الجوانب الإدارية، بل شهدت إقبالاً ومشاركة مجتمعية واسعة تجسدت في انتساب 215,180 مواطناً ومزارعاً إلى هذه الجمعيات.

ولتعزيز ملكية المجتمع لوسائل الإنتاج، تم الاكتتاب بـ 421,331 سهماً، مما ساهم في جمع رأس مال محلي مباشر بلغ 2 مليار و233 مليون ريال يمني، وهو رقم يعكس استعادة الثقة بين المواطن والعمل التعاوني المؤسسي، وتحويل المدخرات الفردية إلى رأس مال تنموي منتج.

توازى التأسيس المؤسسي للجمعيات مع إطلاق طاقات المجتمع عبر تفعيل المبادرات المجتمعية عبر فرسان التنمية كخيار إستراتيجي لكسر العجز والجمود الخدمي.

وقد نجحت الجمعيات التعاونية في حشد الجهود لتنفيذ نحو 20 ألف مبادرة مجتمعية شملت مجالات شق وتأهيل الطرق الريفية، وبناء السدود والحواجز المائية، وصيانة القنوات الزراعية، واستصلاح الأراضي، مما قلل التكلفة الاستثمارية للشارع العام وحقق استجابة سريعة للاحتياجات الميدانية.

وعلى صعيد التوسع الأفقي والرأسي في الرقعة الزراعية، اتجهت البوصلة التعاونية نحو تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية غير المستغلة، لا سيما في الصحاري والسهول الخصبة.

فقادت الجمعيات التعاونية التهامية حركة استصلاح واسعة للكثبان الرملية والمساحات الصالبة، أسفرت عن التوسع في زراعة 100 ألف هكتار موزعة على مختلف مديريات سهل تهامة، لتتحول المساحات المتروكة إلى حقول منتجة للحبوب.

وفي محافظة الجوف، سلة غذاء اليمن، حقق القطاع التعاوني قفزة نوعية في زراعة المحاصيل الإستراتيجية، وعلى رأسها القمح، حيث اتسعت المساحة المزروعة إلى 18 ألف هكتار، وأثمر هذا التوسع عن تحقيق إنتاجية قياسية تجاوزت 1 مليون كيس من القمح خلال هذا العام، مما مثل دعماً مباشراً للمخزون الوطني من السلع الأساسية وخطوة متقدمة نحو تقليص الفجوة الغذائية.

تتجلى النجاحات التعاونية النوعية في إطلاق وحصاد إستراتيجية توطين صناعة الحليب ومشتقاته، والتي شكلت تحولاً تاريخياً وغير مسبوق في القطاع الزراعي والحيواني باليمن منذ بدء تنفيذها في يونيو 2023م وحتى ديسمبر 2025م، إذ ارتفعت الطاقة الإنتاجية للحليب في تهامة من 16,470 لتراً يومياً في منتصف عام 2023م إلى 157,000 لتر يومياً بنهاية عام 2025م، بمعدل نمو تجاوز 850% خلال عامين ونصف فقط، مترافقاً مع ارتفاع عدد الأبقار المنتجة من 4,186 بقرة إلى 40,000 بقرة.

وقد بلغت كميات الإنتاج التراكمية منذ بدء الإستراتيجية حتى نهاية العام الجاري 81,468,795 لتراً، بقيمة إنتاجية بلغت 34,515,939,058 ريالا، وحظيت هذه النهضة بدعم حكومي مباشر لمنتجي الحليب بلغ 8,445,925,610 ريالات.

وبناءً على سعر 320 ريالا للتر الحليب، بلغت العائدات المالية اليومية لإنتاج الحليب 50,240,000 ريال، تُضاف إليها 12,560,000 ريال كدعم حكومي يومي، ليصل إجمالي العائد المالي اليومي لإنتاج الحليب في تهامة إلى قرابة 62,800,000 ريال، ما رفع نصيب الفرد من أفراد الأسر المستفيدة إلى 28,318 ريالا شهرياً.

وقد أثمرت الإستراتيجية أثراً اجتماعياً واقتصادياً هائلاً بإنشاء منظومة متكاملة لسلاسل القيمة، حيث وفرت أكثر من 20,884 فرصة عمل مباشرة في الحديدة فقط، وساهمت بوجه عام في إيجاد نحو 100 ألف فرصة عمل يستفيد منها أكثر من 104 ألف نسمة.

وتضمنت هذه التداخلات الميدانية تقديم قروض لتأسيس 10 عيادات بيطرية وإدارتها عبر 420 عاملاً صحياً، وتوفير 34,700,000 ريال يومياً قيمة أعلاف تشرف عليها 3,186 عاملاً.

كما جرى توفير 27 وسيلة نقل مبردة، و1,100 عبوة لجمع الحليب، وإقراض 1,500 مستفيد بأبقار إنتاجية منهم 1,045 من الفئات الأشد احتياجاً كالمعاقين وأسر الش-هداء والمتضررين من السيول.

ولضمان الاستدامة والاستقلالية التنموية، شمل البناء تأسيس مركزين نموذجيين لاستقبال وتجميع الحليب، ومصنع أعلاف مركزة بتمويل مجتمعي وحكومي، وشراء معدات لمصنع ألبان، وتوريد قطاعتين متنقلتين للأعلاف، وإنشاء مزرعة نموذجية لتربية الأبقار البلدية بطاقة 3,000 بقرة سنوياً.

واستكملت بالتعاون مع مؤسسة بنيان التنموية التأهيل المؤسسي بتدريب 280 عامل صحة حيوانية، و120 مجمّع حليب، إلى جانب تدريب الهيئات الإدارية لـ 20 جمعية تعاونية.

ولم تقف مكاسب الإستراتيجية عند البعد الاجتماعي، بل امتدت لتخفيف الضغط على العملة الوطنية بتوفير 19,071,673 دولاراً سنوياً من فاتورة الاستيراد، أي ما يزيد على 10 مليارات ريال، وضخ سيولة نقدية مباشرة في الأسوق المحلية تجاوزت 34,500,000,000 ريال.

وتعتزم الخطط القادمة للبرنامج الوطني لتوطين الحليب خلال العامين المقبلين إنشاء 12 مركزاً إضافياً في تهامة والمناطق المجاورة بطاقة 156,000 لتر يومياً، مع توسيع نطاق المشروع ليشمل محافظات حجة والمحويت وريمة وذمار وإب وعمران وصنعاء، بهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الحليب إلى 15% وتوفير أكثر من 200 ألف فرصة عمل جديدة.

لضمان استدامة هذه القفزة التعاونية، اعتمدت وزارة الزراعة والشؤون الاجتماعية والاتحاد التعاوني منهجية التدخل المباشر القائم على سلاسل القيمة، حيث تم استهداف 57 جمعية تعاونية نموذجية كمرحلة أولى للتدخل في إدارة وتطوير 42 سلسلة زراعياً ونباتياً وحيوانياً من مرحلة البذر حتى التسويق، بما يضمن رفع جودة المنتج وتقليل الضائع وإلغاء الوساطات الطفيلية.

وتوازى ذلك مع تنفيذ عمليات تقييم شاملة وميدانية للجوانب الإدارية والتنظيمية والفنية والمالية لـ 28 جمعية نموذجية، بغية إرساء قواعد الحوكمة والشفافية وتأهيل الكوادر الإدارية لضمان حسن إدارة أموال المنتسبين وكفاءة التشغيل الميداني.

كما أسهم هذا الزخم الإنتاجي والعمل الميداني المنظم في تحقيق قفزات نوعية نحو الاكتفاء الذاتي في قائمة واسعة من المحاصيل الإستراتيجية والأساسية، حيث نجحت البلاد في الوصول إلى اكتفاء ذاتي تام أو شبه تام في محاصيل الثوم، والزبيب، والتفاح، والبرتقال، والذرة الرفيعة، والبن، والجوافة، واللوبيا، والدخن، والبصل، بالإضافة إلى المنتجات الوفيرة من جانب الثروة الحيوانية.

وأفضى هذا النمو الإنتاجي المتزايد إلى اتخاذ قرارات سيادية وحازمة لحماية المزارع اليمني والمنتج الوطني من المنافسة غير العادلة للسلع المستوردة، حيث تم إقرار منع وحظر استيراد 38 صنفاً من المنتجات النباتية والحيوانية والسلع التحويلية التي حققت فيها البلاد كفاية ذاتية أو مستويات إنتاجية متقدمة.

ولم تنعكس هذه القرارات على حماية المزارعين وتثبيت أسعار منتجاتهم فحسب، بل أسهمت مباشرة في الحفاظ على النقد الأجنبي، وتوفير فاتورة استيراد سنوية تُقدر بنحو 125 مليون دولار كان يتم إنفاقها على جلب منتجات ومواد يمكن إنتاجها محلياً بأيدٍ وعقول يمنية.

تثبت الأرقام والمؤشرات الميدانية لقصة النجاح هذه أن ثورة 21 سبتمبر لم تكن مجرد شعارات، بل تم ترجمتها على الأرض إلى حركة تعاونية تنموية متكاملة، أثبتت أن الاعتماد على الذات وتفعيل طاقات المجتمع يظلان الطريق الوحيد والمأمون لبناء اقتصاد وطني مقاوم، يستند إلى الأرض، ويحمي السيادة، ويحقق الاكتفاء الذاتي للشعب اليمني.

رئيس الدائرة التنظيمية بالاتحاد التعاوني الزراعي

كيف أعادت ثورة 21 من سبتمبر رسم خارطة العمل التعاوني وضبطت بوصلة الاقتصاد في اليمن؟
  • 24 views
  • تم النشر في:

    مقالات